محمد الريشهري
14
حكم النبي الأعظم ( ص )
والمعتقدات العميقة الصلبة ، « 1 » كي يؤسّس مجتمعا قرآنيا مفعما بالقيم الإلهية الإنسانية ، ومليئا بالمكارم الأخلاقية ، ويقود الإنسان نحو الهدف الأسمى والمقصد الأعلى . وقد كان نبينا الأعظم محمّد صلى اللّه عليه وآله نفسه مظهر هذه الحقائق السماوية ، ومجسّدا للتعاليم القرآنية والقيم الإلهية الأخلاقية . « 2 » لقد كان رسول اللّه ، أفضل الوجوه الإنسانية وأكملها وأقربها إلى القلوب . والتأمّل في سيرته والنظر في شخصيته والتدبّر في خُلقه وخصاله ، يوقع الإنسان في الدهشة والحيرة . وهو صلى اللّه عليه وآله يمثّل أعلى قمّة في رحاب التاريخ ، وكلّ من اجتاز معبر التاريخ لا يملك إلّا أن يصوّب أنظاره إليه ، إلّا إذا كان قد أغمض عينيه دون أجمل مظاهر الوجود ، كالذين عميت قلوبهم وولّوا هاربين من الحقيقة . وبعبارة أخرى ، فإنّ رسول اللّه كالشمس في رابعة النهار ، فهل من الممكن أن يمتلك الإنسان عينا ثمّ لا يراها ؟ إلّا إذا كان كالخفاش يتهرّب من شعاع الشمس ولا يحتمل رؤية الحقيقة . فهل رأت مسيرة التاريخ الطويلة ومسرح الوجود وجها بهذه الإشراقة ؟ فلنستمع إلى الإمام عليّ عليه السلام الذي هو أوحد دون شكّ في تجسيد شخصيّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وصورته : مَن رَآه بُدَيهَةً هابَهُ ، ومَن خالَطَهُ مَعرِفَةً أحَبَّهُ ، يَقولُ ناعِتُهُ : لَم أرَ قَبلَهُ ولا بَعدَهُ مِثلَهُ . « 3 » وهكذا ، فمن الطبيعي أن تكتسب هذه الشخصية المشرقة البعد العالمي ، وأن تضمر جميع شخصيات العالم تحت ظلّ نوره ، وأن يطأطئ جميع الأبطال والعظماء الذين يمثّلون القمم الشاهقة في تاريخ البشريّة ، رؤوسهم أمام عظمته وسموّه ، وتتمهّد أرضية تحقّق الوعد الإلهي في عولمة هذه الشريعة ، وسيادة تعاليم الدين الذي جاء به هذا الرجل العظيم الذي لا نظير له في التاريخ ، حيث قال تعالى : " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
--> ( 1 ) راجع : نهج البلاغة : الخطبة 1 و 2 و 94 و 133 و 158 . ( 2 ) راجع : مسند ابن حنبل : ج 6 ص 91 ، الطبقات الكبرى : ج 1 ص 364 ، تنبيه الخواطر : ج 1 ص 89 . ( 3 ) الغارات : ج 1 ص 167 ، بحارالأنوار : ج 16 ص 194 ح 33 .